أحمد فارس الشدياق
291
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
قال : - إذا برك الجمل أيستطيع أن يقوم وحده ؟ قلت : - لو سألتني عن الظعائن لأخبرتك ، فأما الجمل فلا أدري . في الطريق إلى بلدة الدكطر نيكلسون ثم لمّا حان وقت تبطيل المدارس قبل عيد الميلاد تذكرت ما وعدت به صديقي دكطر نيكلسن ، فمن ثم سافرت إلى لندرة ومنها إلى دارنكطون ، فبلغتها بعد نحو اثنتي عشرة ساعة قاسيت فيها من البرد والتعب ما لم أقاسه في عمري كله ، وهنا ينبغي أن يلاحظ أن السفر في سكة الحديد وإن يكن أسرع وأسهل ، إلا أنه في بلاد الإنكليز معنت مكمد لأن الغريب لا يجد من الركاب من يدل عليه بحرمة السفر والتعب فيكالمه ، فترى كل واحد بيده صحيفة الأخبار يطالعها مسافة سفره كلها ، وإذا وق الرتل لا يجد شيئا من المأكول والمشروب ما يفثأ تسخطه ، وليست القهوة عندهم إلا ماء دخن سخن ، ولهذا كان أكثر الإنكليز يسافرون النهار كله ولا يأكلون شيئا من حوانيت المواقف ، وإنما يتزودون الطعام والشراب من ديارهم وهو في الحقيقة أولى ، فأما مواقف فرنسا فإن فيها كل ما ألفه الإنسان في بيته . على أن باعة المأكول والمشروب في بلاد الإنكليز أشد خلق الله شططا فإنهم يتقاضون على فنجان قهوة الدخن نصف شلين . ثم سافرت من دارنكطون في الساعة الثامنة صباحا ، فوصلت إلى بنريث في الحادية بعد الظهر ، ومررنا في خلال ذلك بعدة قرى ومدن من أعظمها برسطون ، سكانها نحو مائة ألف نفس ، وهي مدينة شغل ومتجر شهيرة بملتقى الأرتال فيها ، يمر بها في كل يوم أكثر ما مائتي رتل - وهو عبارة عن صف عواجل متناسقة بعضها إلى بعض ، على نحو قطار الإبل . وإن البرد وقتئذ عارما والثلج متساقطا ، فلما بلغت بنريث سألت عن مقام دكطر نيكلسون فأرشدت إليه لكونه شهيرا في البلد ، فلما رآني ترحب بي غاية الترحيب وأنزلني في داره خير منزل ، وأكرمني بما لا مزيد عليه ، فجزاه الله عني خيرا .